استشراف المستقبل تطوره وأهم محدداته

استشراف المستقبل تطوره وأهم محدداته

لأنَّ المستقبل هو ملكٌ لمن يستعد له ويساهم في تصميمه وصناعته؛ ولأنه لم يسبق أن حدث شيء مثل العصر الحديث في التاريخ؛ ولأن المستقبل لن يكون أبدًا صورة للماضي، فاستشراف المستقبل ليس تنجيمًا بل هو منهجية علمية تعتمد على توافر مقومات أساسية تتمثل في الفهم الشامل لاستشراف المستقبل وتحدياته والتدريب على أدواته ومناهج استشرافه لتكوين رؤى مستقبلية ثاقبة، ويحتاج استشراف المستقبل بصورة أو بأخرى إلى التنبؤ المعتمد على عدة قدرات عقلية أهمها: التفكير، التخيل، البصيرة، الحدس، الإدراك.

وشتان بين أن يأتي العمل الاستشرافي كمقدمة سريعة للعمل التخطيطي، وبين أن تتاح الفرصة لكي ينمو كعملٍ قائم بذاته، يأخذ وقته اللازم ويستعمل المنهجيات المتعارف عليها وتستوفى مقوماته.

ويرى (ويندل بيل (أن المهام التي ينشغل بها حقل الدراسات المستقبلية من اكتشاف أو ابتكار، وفحص وتقييم، واقتراح مستقبليات ممكنة أو محتملة أو منفصلة، تنحصر في تسعة محددات أهمها:

إعمال الفكر والخيال في دراسة الممكن بغض النظر مدى احتمالية وقوعه، مما يؤدي لتعددالخيارات البشرية.
دراسة ما هو محتمل، أي التركيز على فحص وتقييم المستقبليات الأكبر احتمالا للحدوثخلال أفق زمني معلوم وفقا لشروط محددة مما يجعلها مؤهلة لتضمين عدد من السيناريوهات.
دراسة صور المستقبل، أي طبيعة الأوضاع المستقبلية المتخيلة وتحليل محتواها، ودراسة أسبابها وتقييم نتائجه.
دراسة الأسس التنظيرية للدراسات المستقبلية، أي تقديم أساس فلسفي للمعرفة التي تنتجهاالدراسات المستقبلية، والاجتهاد في تطوير مناهج وأدوات البحث في المستقبل.
دراسة الأسس الأخلاقية للدراسات المستقبلية، وهذا أمر متصل بالجانب الاستهدافي للدراسات المستقبلية، ألا وهو استطلاع المستقبل أو المستقبليات المرغوب فيها.
تفسير الماضي وتوجيه الحاضر. فالماضي له تأثير على الحاضر وعلى المستقبل، والكثيرمن الأمور تتوقف على كيفية قراءة الماضي.
إحداث التكامل بين المعارف المتنوعة والقيم المختلفة من أجل حسن تصميم الفعل الاجتماعي، ذلك أن معظم المعارف والبيانات التي يستخدمها دارسو المستقبل بشكل عام من أجل التوصية بقرار أو تصرف ما هي إلا معارف تنتمي إلى علوم ومجالات بحث متعددة لها خبراؤها والمتخصصون فيها، ولذلك يطلق على الدارسات المستقبلية وصف الدراسات التكاملية أو الدراسات العابرة للتخصصات.
زيادة المشاركة الديمقراطية في تصور وتصميم المستقبل، أو مقرطة التفكير المستقبلي والتصرفات ذات التوجهات المستقبلية، وإفساح المجال لعموم الناس للاشتراك في اقتراح وتقييم الصور البديلة للمستقبل الذي سيؤثر في حياتهم وحياة خلفهم.
تبنى صورة مستقبلية مفضلة والترويج لها، وذلك باعتبار ذلك خطوة ضرورية نحو تحويل هذه الصورة المستقبلية إلى واقع، ويتصل بذلك تبنى أفعال اجتماعية معينة من أجل قطع الطريق على الصور المستقبلية غير المرغوب فيها والحيلولة دون وقوعها.

استشراف المستقبل تطوره وأهم محدداته

ونلاحظ أن الاستشراف المستقبلي سيصبح أكثر أهمية مما هو عليه اليوم، حيث يجب أن نفكر في التأثيرات المعقدة لتحديات مستقبلية ذات طابع جماعي، من أمثلتها:

التهديد النووي بفناء الحضارة اإلنسانية ووقـوع السالح النووي في أيـد غير عاقلة أو رشيدة.
التغيّرات المناخية ومـا سيصاحبها مـن ظـواهـر الـغـرق والـتـصـحـر والـجـفـاف وهـجـرات ديمغرافية وتحركات جغرافية… إلخ
تحديات الثورة البيولوجية ومخاطر التوظيف السياسي لخريطة الجينوم البشري من أجل التفوق العنصري لسالالت وجماعات بشرية معيّنة
إعادة صياغة الخرائط السياسية والجيوبوليتيكية على أسس إثنية وعرقية وثقافية
انتقالات وهجرات بشرية واسعة باتجاه الشرق والشمال الشرقي
التغيّرات الـدرامـاتـيـكـيـة فـي الـهـرم الـسـكـانـي فـي أوروبــا الـغـربـيـة وتـداعـيـاتـه السياسية والاقتصادية
تهديدات نقص الطاقة والمياه والغذاء.
استشراف المستقبل تطوره وأهم محدداته

وقد حددت الجمعية الدولية خصائص علم الدراسات المستقبلية في أربع عناصر رئيسية وهي:

-أنها دراسات تعتمد استخدام أساليب علمية لدراسة الظواهر الخفية.

-أنها أكثر اتساعا من حدود العلم حيث تتضمن إسهامات فلسفية بجانب الاجتهادات العلمية.

-أنها تتعامل مع عدد كبير من البدائل والخيارات الممكنة.

-أنها دراسات تتناول المستقبل في آجال زمنية طويلة المدي قد تصل إلى 50 عام.

استشراف المستقبل تطوره وأهم محدداته

ثانياً: تطور الدراسات المستقبلية:

إحدى الدراسات المهتمة بالتأريخ لاستشراف المستقبل ترى أن المستقبل هو المساحة المعتمة التي تمثلاحدى مكونات الزمن مما جعلها غامضة وزاد من رهبة الإنسان منها، وبعد الحرب العالمية الثانية شهد الغرب حركة واسعة استهدفت الاهتمام بالدراسات المستقبلية، حتى غدت دراسات المستقبل صناعة أكاديمية، ونشاطًا علميًا قائمًا بذاته، ومنهجًا عمليًا لإدارة والتخطيط، هذا بالتأكيد إضافة إلى أنها فنًا وإبداعا.

واتخذ هذا الاهتمام، عددًا من المؤشرات، أهمها، تزايد أعداد العلماء والباحثين المشتغلين بالدراسات المستقبلية في الجامعات ومراكز البحوث المختلفة، وظهور العديد من المراكز والهيئات العلمية والمعاهد المتخصّصة في الدراسات المستقبلية، وانتشار الجمعيات والروابط والمنظّمات المعنية بالدراسات المستقبلية، حتى أن المراكز الثلاثة الكبرى لصنع القرار الأمريكي، البيت الأبيض، والكونغرس، والبنتاغون، يقوم على خدمتها عدد كبير من مراكز الفكر المعروفة ذات التوجه (Think Tanks).

ختاما، يتضح أن مفهوم المستقبل تطور مع تطور الفكر البشري، من نظرة ترى المستقبل قدرا محتومًا، لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال، إلى نظرة تنطلق من مبدأ الصيرورة وقدرة الحياة على التجدّد، وترى في المستقبل بعدًا زمنيًا يمكن التحكّم في صورته.

للمزيد من هنا

استشراف المستقبل
رؤية مصر